ابن عطاء الله السكندري
35
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
للجماعة ، وإذا أردت أن يكون لك نصيب مما لأولياء اللّه تعالى فعليك برفض الناس جملة إلا من يدلك على اللّه تعالى إما بإشارة صادقة أو بأعمال ثابتة لا ينقضها كتاب ولا سنة فارفع همتك إلى مولاك واشتغل به دون غيره . سمعت الشيخ أبا العباس المرسى يقول واللّه ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق واذكر رحمك اللّه ههنا قوله سبحانه تعالى : يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 ) [ المنافقون : 8 ] ، فمن العز الذي أعز اللّه به المؤمن رفع همته إلى مولاه وثقته به دون ما سواه ، واستح من اللّه بعد أن يكون كساك حلة الإيمان وزينك بزينة العرفان أن تستولى عليك الغفلة والنسيان حتى تميل إلى الأكوان أو تطلب من غيره وجود الإحسان ، وقبيح بالمؤمن أن ينزل حاجته بغير مولاه مع علمه بوحدانيته وانفراده بربوبيته وهو يسمع قوله تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 36 ) [ الزمر : 36 ] ، وليذكر قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ( 1 ) [ المائدة : 1 ] ، ومن العقود التي عاقدته عليها أن لا ترفع حوائجك إلا إليه ولا تتوكل إلا عليه ، ورفع الهمة عن الخلق هو ميزان الفقراء وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ( 9 ) [ الرحمن : 9 ] فيظهر الصادق بصدقه والمدعى بكذبه ، وقد ابتلى اللّه تعالى بحكمته ووجود منته الفقراء الذين ليسوا بصادقين بإظهار ما كمنوه من الرغبة وأسروه من الشهوة فابتذلوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم موافقين لهم على مآربهم مدفوعين عن أبوابهم فترى الواحد منهم يتزين كما تتزين العروس معتنون بإصلاح ظواهرهم غافلون عن إصلاح سرائرهم ولقد وسمهم الحق وسمة كشف بها عوراتهم وأظهر أخبارهم فبعد أن كانت سنتهم مع اللّه أن لو صدق مع اللّه أن يقال له عبد الكبير فأخرج عن هذه النسبة فصار يقال له شيخ الأمير أولئك الكاذبون على اللّه تعالى الصادون العباد عن صحبة أولياء اللّه لأن ما يشهده العوام منهم يحملونه على كل منتسب إلى اللّه صادق وغير صادق فهم حجب أهل التحقيق أو سحب شمس أهل التوفيق ضربوا طبولهم ونشروا أعلامهم ولبسوا دروعهم فإذا وقعت الحملة ولوا على أعقابهم ناكصين ألسنتهم منطلقة بالدعوى وقلوبهم خالية من التقوى ألم يسمعوا قوله سبحانه وتعالى : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً ( 8 ) [ الأحزاب ، 8 ] أترى إذا